يا حلبية يا بياعة الفول…
يا فلسطينية يا ارهابية…
هذه بعض من الجمل المشاكسة التي كنت اسمعها حينما كنت صغيرة أعيش في دولة أفريقيا، بحُكم عمل والدي مع منظمة التحرير. لقد أحببت تلك البلد، وأحببت شعبها الطيب، وكنت أرد عليهم ممازحة: يا شماشة ( ابن الشوارع) يا معفن/ة.
في تلك البلد، حين أسير في الشارع، تتسلط على الأنظار، بحكم لوني، وكم تمنيت في تلك اللحظات لو أنني وُلدت في فلسطين، فعندها بالتأكيد لن أشعر بأنني غريبة، فجميعنا نتحدث نفس اللهجة، وأشكالنا متشابهة، بينما في هذا البلد الأفريقي، فأنا مثل خصلة بيضاء وسط شعرحالك السواد، تقول لمن يراها: أنا لست من هنا. لم أحب طعامهم رغم أني عشت هنالك جزء من طفولتي ومراهقتي، مراهقتي التي لم استمتع بها، بسبب عدوم وجود فتيان من فلسطين، فلقد تربيت على ألا أحب إلا أحد شباب فلسطين البواسل.
كثيرة هي المرات التي كنت استلقي على سريري أحلم أحلام اليقظة، وخاصة مع انقطاع الكهرباء المتواصل، فأتمنى لو أن بلدي مثل أي بلد طبيعي مستقل، لم يتشرد شعبه في جميع أنحاء المعمورة، فأستطيع عندها أن أمارس طفولتي، فأخرج مثل باقي الأطفال للعب في الشارع. ففي البلد التي كنت أعيش فيها، حُرمت من هذا الحق، بسبب الحر الشديد، وخوف أسرتي من أن نخرج للعب بالشارع، والذي أعتقد أنه خوف سببه عدم الإحساس بالأمان والذي قد تجده عند جميع الفلسطينين الذين عاشوا خارج بلدهم. لذلك حينما كنا نسافر إلى لبنان كل سنة، لقضاء العطلة الصيفية في منزل أسرة والدتي، كنت أستغل هذه المساحة من الحرية اسوء إستغلال، فأقضيها بالشارع مع بنات خالتي، حيث نشتري الصيصان ونُشيد لها منزل، ونقطع المسافات البعيدة (والتي اكتشفت لاحقاً أنها كانت تبدو بعيدة لي بحكم صغر سني وحجمي)، للوصول إلى العين وصيد الضفادع . أما لعبتي المفضلة، فهي دق جرس الجيران ومن ثم الفرار!! وكم كنت أُحب قضاء العيد في لبنان، لأحصل على عيدية ضخمة، فأذهب وأبناء وخالاتي وأخوالي إلى وادي العرايش، للعب واللهو.
وحينما كنت أعود إلى ذلك البلد الأفريقي، كان أبي يُقسم أنني طفلة أفريقية، بسبب اللون الذي اكتسبته بشرتي في لبنان.
ربانا والدي على الأحلام المؤجلة، فأي شيء مؤجل حتى نعود، لنغير سيارتنا يا أبتي؟ سنُغيرها حينما نعود إلى فلسطين، فهذه البلد ليست بلدنا! لنشتري منزل يا أبتي؟ سنشتري منزلنا في فلسطين.. فلسطين يا أولادي جنة الله على الأرض..الأرض المقدسة.. الأرض الجميلة..أرض البواسل…….
زرع والدي في دمي، فكرة أن فلسطين أجمل بلاد الأرض، وأن شعبها شعب الشجعان.. شعب البواسل، لذلك فقد كان من الواجب علي أنا وأخي، أن نمثلها خير تمثيل..يجب أن ندرس جيداً ونكون من الاوائل لأننا ممثلين لشعب فلسطين.. يجب أن نكون دائماً في كامل أناقتنا لأننا ممثلين لتلك الأرض المقدسة.. يجب ألا نكذب ألا نؤذي أحد فنحن من أرض الملائكة..
كنت دائماً اسأل نفسي، هل الناس في فلسطين يأكلون ويشربون مثلنا ؟؟؟ فالملائكة لا يفعلون ذلك!
كنا نشارك في الحفلات الخاصة بالمناسبات الوطنية، فنغني جميع الأغاني الوطنية، ونقدم الدبكة الفلسطينية، فنحن سفراء ..كما كنا ننتظر مجلة الأشبال على أحر من الجمر وذلك لكي نقرأ عن من هم في عمرنا في فلسطين.. وحتى أدهم صبري، رجل المخابرات المصري، في سلسلة رجل المستحيل، اعتقدت في فترة من الفترات أن والدته فلسطينية !!
ظل الوضع على ماهو عليه، حتى عدنا مع من عادوا إلى فلسطين، بعد معاهدة أوسلو، عدنا وخلعنا ثوب ذكرياتنا في البلد الذي عشنا فيه حوالي العشر سنوات، عدنا إلى الأرض التي لم أٌراها من قبل إلا من خلال عيون أبي.
كانت صدمتي حد الذهول حينما رأيت الإسرائيلين لأول مرة في حياتي على” الجسر”، كنت أرتجف من الخوف، فهؤلاء محتلون وقتلى !! فكيف يتحكمون بدخولنا وخروجنا بهذه الطريقة!! وهذه المجندة تقول لأمي موجهة أصبعها نحوي: بنتش!!
غرقت لحظتها في الضحك، فهذه المجندة لم تتعلم العربية فقط، وإنما لهجة أهل القرى!
تباَ لهم !! لما يضعون الحواجز بين المدن !! لما أخذوا أجمل بقاع فلسطين !!
سلطة وشرطة ووزارات وسيارات ومنازل واتفاقيات !!
إذن لقد عدت إلى بلدي المستقل..
فوجئت هنا، بمظاهر غريبة بالنسبة لي، فالناس مثلنا في كل شيء!! الناس هنا يأكلون ويشربون …..
كما أنهم يسألونك اسئلة غريبة : هل أنت مدني أم فلاح أم من المخيم؟
لم أواجه هذا السؤال من قبل !
يسخرون من أشكال و ألوان بشرة الأخرين !! فيقولون : هذه الفتاة سمراء كوالدها!
لكني لست بالسمراء!! اتأمل بشرتي بإستغراب !! لقد هربت من أفريقيا لكي لا أظل غريبة..إنهم يسخرون من لهجتي، ويعرفون الناس علي بقولهم: هذه إبنة اللبنانية!!
لا أمي ليست لبنانية !! أمي فلسطينية وإبنة عائلة فلسطينية لجأت إلى لبنان عام 1948 !!
أنتِ عائدة !! لا أنا فلسطينية !
لا أنتِ من العائدين .. لقد جئتم إلى هنا ونشرتم الفساد الإنحطاط في كل مكان.. أكلتوا كل شيء..
فأغضب وأبكي وأدافع وأقول: يوجد في كل مكان الصالح والطالح !! لا اعتقد أننا قد أحضرنا جرعات من الفساد وقمنا يتوزيعها عليكم !! ومثلما يوجد فاسدين بيننا.. يوجد فاسدين بينكم .. الموظف العائد المرتشي من رشاه؟ رشاه التاجر الذي ينتمي إليكم !!
يا إلهي !! لا أريد أن أقول بيننا وبينكم ! أنتم ونحن!
صديقتي كذبت علي!! والأخرى سرقتني ! والثالثة طعنتني! والرابعة سخرت مني!!
الأولاد البواسل هنا يقفون على باب المدرسة، ليعاكسوا البنات !! لقد ظننت أن أطفال الحجارة لا يفعلون ذلك !
الناس هنا يقذفون المحصنات مثل أي ناس في البلاد الأخرى!!
هذه الفتاة المحجبة لا تصلي !! لما ترتدي الحجاب إن كانت لا تصلي يا امي؟
الحجاب هنا يا ابنتي عادات وتقاليد..
أمي هل تعرفي أن صديقتي “ص” التي ترتدي الجلباب، قامت بخلعه حينما ذهبنا تلك الرحلة خارج المدينة!!
ما ذنبها يا ابنتي، إن كانت مجبرة عليه!
أخوض صراع طويل مع معلمة الدين في المدرسة والتي تقول لي: يجب أن ترتدي الحجاب!
فأقول لها: عندما أجد أنني جاهزة لإرتدائه، سأرتديه بالشكل الصحيح، ولن أكون مثل الفتيات المحجبات اللواتي يرتدين الملابس الضيقة .. فيشوهن صورة الأسلام..
تصمت المعلمة لبرهة، ثم تقول: بنات العائدين، قواية و مكلحات !!!
لا أريد أن أكون غريبة في أرضي..
أمي، لما لا نعود إلى أفريقيا.. موافقة على أن أكون غريبة في أرض غريبة…
أبي.. الناس هنا ليسوا كما وصفتهم لي !! الناس هنا يأكلون ويشربون ويذهبون إلى ال الدبليو سي أيضاً….
تمت
12/10/2011